هل أصبح الفساد ثقافة اجتماعية في العراق؟

محتوى المقالة الرئيسي

نزار طاهر حسين

الملخص

يُعدّ الفساد من أخطر الظواهر التي تواجه الدول الحديثة، نظراً للآثار العميقة التي يتركها في بنية الدولة والمجتمع على حد سواء. فهو لم يقتصر على إهدار المال العام أو استغلال المنصب لتحقيق مكاسب شخصية، بل أمتد إلى تقويض الثقة بالمؤسسات، وأضعف سيادة القانون، وعطل مسارات التنمية، وأثر في منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع. وبذلك أصبحت مكافحة الفساد إحدى الأولويات الرئيسة التي تسعى إليها الحكومات والمنظمات الدولية، إدراكاً منها أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق في ظل بيئة يسودها الفساد وتغيب عنها الشفافية والمساءلة. اكتسبت قضية الفساد في العراق، أبعاداً أكثر تعقيداً نتيجة تراكم عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية عديدة، امتدت لعقودٍ طويلة. فقد أسهمت الحروب المتعاقبة، والعقوبات الاقتصادية، وضعف مؤسسات الدولة، ومن ثم التحولات السياسية التي أعقبت عام 2003، في إيجاد بيئة مواتية لانتشار الفساد بمختلف أشكاله. ومع مرور الوقت لم يعد الفساد مجرد حالات فردية معزولة، بل تحول إلى ظاهرة واسعة النطاق أثرت في مختلف مفاصل الدولة، وأصبحت تمارس بصورة علنية أو ضمنية في العديد من المؤسسات، الأمر الذي دفع كثيراً من المواطنين إلى التعامل معه بوصفه أمراً واقعاً يصعب تجاوزه. تكمن خطورة المرحلة التي نعيشها اليوم، في أن استمرار الفساد لمددٍ طويلة لم يؤدي إلى خسائر اقتصادية فحسب، وإنما أسهم في تغيير الثقافة المجتمعية ذاتها، إذ أعتاد أفراد المجتمع على إنجاز معاملاتهم عن طريق الرشوة أو الوساطة، بعدما رأوا أن الحصول على الوظيفة أصبح أمراً أعتمد فيه النفوذ أكثر من الكفاءة، وبذلك فإن تلك الممارسات تحولت تدريجياً من أفعال مرفوضة إلى أنماط سلوك مألوفة، بل أصبحت في نظر البعض وسائل مشروعة لتحقيق الأهداف الشخصية. وعلى أثرها أنتقل الفساد من كونه مخالفة قانونية إلى كونه ثقافة اجتماعية صارت الأجيال تتوارثها وتعيد إنتاجها بصورة مستمرة. إن الثقافة الاجتماعية لا تتكون بين ليلة وضحاها، وإنما هي حصيلة تراكم طويل من القيم والعادات والسلوكيات التي أكتسبها الأفراد من الأسرة، المدرسة، بيئة العمل، وسائل الإعلام، والمؤسسات العامة. فإذا كانت هذه المؤسسات ترسل رسائل ضمنية مفادها أن النجاح يتحقق بالواسطة أكثر من الاستحقاق، وأن القانون لا يطبق على الجميع بالقدر نفسه، فإنها تسهم من حيث تشعر أو لا تشعر في ترسيخ ثقافة تتسامح مع الفساد، وربما تشجع عليه

##plugins.themes.bootstrap3.displayStats.downloads##

##plugins.themes.bootstrap3.displayStats.noStats##

تفاصيل المقالة

القسم

Articles

كيفية الاقتباس

هل أصبح الفساد ثقافة اجتماعية في العراق؟. (2026). المجلة العراقية للبحوث الانسانية والاجتماعية والعلمية, 6(22), 190-195. https://ijhssr.ouc.edu.iq/index.php/ijhssr/article/view/38